إخوان الصفاء
18
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
فصل اعلم أيها الأخ البار الرحيم ، أيّدك اللّه وإيانا بروح منه ، انا نحن ، جماعة إخوان الصفاء ، أصفياء وأصدقاء كرام ، كنا نياما في كهف أبينا آدم مدة من الزمان تتقلب بنا تصاريف الزمان ونوائب الحدثان ، حتى جاء وقت الميعاد بعد تفرّق في البلاد في مملكة صاحب الناموس الأكبر ، وشاهدنا مدينتنا الروحانية المرتفعة في الهواء التي ذكرناها في الرسالة الثانية ، وهي التي أخرج منها أبونا آدم وزوجته وذرّيتهما لما خدعهما عدوهما اللعين وهو إبليس وقال : « هل أدلكما على شجرة الخلد وملك لا يبلى ؟ » واغترّا بقوله وحملهما الحرص والعجلة ، فبادرا وطلبا ما ليس لهما أن يتناولاه قبل استحقاقه في أوانه ، فسقطت مرتبتهما وانحطت درجتهما ، وانكشفت عورتهما ، وأخرجا هما وذرّيّتهما جميعا ، بعضهم لبعض عدو ! وقيل لهم : اهبطوا منها ولكم في الأرض مستقرّ ومتاع إلى حين ، فيها تحيون وفيها تموتون ، ومنها تخرجون يوم البعث ، إذا انتبهتم من نوم الجهالة ، واستيقظتم من رقدة الغفلة ، إذا نفخ فيكم بالصور ، فتنشقّ عنكم القبور ، وتخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون « 1 » . فهل لك يا أخي ، أيدك اللّه وإيانا بروح منه ، أن تبادر وتركب معنا في سفينة النجاة التي بناها أبونا نوح ، عليه السلام ، فتنجو من طوفان الطبيعة قبل أن تأتي السماء بدخان مبين ، وتسلم من أمواج بحر الهيولى ولا تكون من المغرقين ؟ أو هل لك يا أخي أن تنظر معنا حتى ترى ملكوت السماوات التي رآها أبونا إبراهيم لما جنّ عليه الليل حتى تكون من الموقنين ؟
--> ( 1 ) النصب : الشيء المنصب كالعلم ونحوه . يوفضون : يسرعون .